الشوكاني
288
فتح القدير
الكلابي * أصاب الأرض حسبان * أي جراد ( فتصبح صعيدا زلقا ) أي فتصبح جنة الكافر بعد إرسال الله سبحانه عليها حسبانا صعيدا ، أي أرضا لا نبات بها وقد تقدم تحقيقه ، زلقا : أي تزل فيها الأقدام لملاستها ، يقال مكان زلق بالتحريك : أي دحض . وهو في الأصل مصدر قولك زلقت رجله تزلق زلقا وأزلقها غيره ، والمزلقة الموضع الذي لا يثبت عليه قدم ، وكذا الزلاقة ، وصف الصعيد بالمصدر مبالغة ، أو أريد به المفعول ، وجملة ( أو يصبح ماؤها غورا ) معطوفة على الجملة التي قبلها : والغور الغائر . وصف الماء بالمصدر مبالغة ، والمعنى أنها تصير عادمة للماء بعد أن كانت واجدة له ، وكان خلالها ذلك النهر يسقيها دائما ، ويجئ الغور بمعنى الغروب ، ومنه قول أبي ذوئيب : هل الدهر إلا ليلة ونهارها * وإلا طلوع الشمس ثم غيارها ( فلن تستطيع له طلبا ) أي لن تستطيع طلب الماء الغائر فضلا عن وجوده ورده ولا تقدر عليه بحيلة من الحيل ، وقيل المعنى : فلن تستطيع طلب غيره عوضا عنه . ثم أخبر سبحانه عن وقوع ما رجاه ذلك المؤمن وتوقعه من إهلاك جنة الكافر فقال ( وأحيط بثمره ) قد قدمنا اختلاف القراء في هذا الحرف وتفسيره ، وأصل الإحاطة من إحاطة العدو بالشخص كما تقدم في قوله - إلا أن يحاط بكم - وهى عبارة عن إهلاكه وإفنائه ، وهو معطوف على مقدر كأنه قيل فوقع ما توقعه المؤمن وأحيط بثمره ( فأصبح يقلب كفيه ) أي يضرب إحدى يديه على الأخرى وهو كناية عن الندم ، كأنه قيل فأصبح يندم ( على ما أنفق فيها ) أي في عمارتها وإصلاحها من الأموال ، وقيل المعنى : يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق ، لأن الملك قد يعبر عنه باليد من قولهم في يده مال ، وهو بعيد جدا ، وجملة ( وهى خاوية على عروشها ) في محل نصب على الحال : أي والحال أن تلك الجنة ساقطة على دعائمها التي تعمد بها الكروم أو ساقط بعض تلك الجنة على بعض ، مأخوذ من خوت النجوم تخوى إذا سقطت ولم تمطر في نوئها ، ومنه قوله تعالى - فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا - قيل وتخصيص ماله عروش بالذكر دون النخل والزرع لأنه الأصل ، وأيضا إهلاكها مغن عن ذكر إهلاك الباقي ، وجملة ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ) معطوفة على يقلب كفيه ، أو حال من ضميره : أي وهو يقول تمنى عند مشاهدته لهلاك جنته بأنه لم يشرك بالله حتى تسلم جنته من الهلاك ، أو كان هذا القول منه على حقيقته ، لا لما فاته من الغرض الدنيوي ، بل لقصد التوبة من الشرك والندم على ما فرط منه ( ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله ) فئة اسم كان وله خيرها ، وينصرونه صفة لفئة أي فئة ناصرة ، ويجوز أن تكون ينصرونه الخبر ، ورجح الأول سيبويه ورجح الثاني المبرد ، واحتج بقوله - ولم يكن له كفوا أحد - والمعنى : أنه لم تكن له فرقة وجماعة يلتجئ إليها وينتصر بها ، ولا نفعه النفر الذين افتخر بهم فيما سبق ( وما كان ) في نفسه ( منتصرا ) أي ممتنعا بقوته عن إهلاك الله لجنته ، وانتقامه منه ( هنالك الولاية لله الحق ) قرأ أبو عمرو والكسائي الحق بالرفع نعتا للولاية ، وقرأ أهل المدينة وأهل مكة وعاصم وحمزة الحق بالجر نعتا لله سبحانه . قال الزجاج : ويجوز النصب على المصدر والتوكيد كما تقول هذا لك حقا . وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي الولاية بكسر الواو ، وقرأ الباقون بفتحها ، وهما لغتان بمعنى ، والمعنى هنالك : أي في ذلك المقام النصرة لله وحده لا يقدر عليها غيره ، وقيل هو على التقديم والتأخير : أي الولاية لله الحق هنالك ( هو خير ثوابا وخير عقبا ) أي هو سبحانه خير ثوابا لأوليائه في الدنيا والآخرة ( وخير عقبا ) أي عاقبة ، قرأ الأعمش وعاصم وحمزة " عقبا " بسكون القاف ، وقرأ الباقون بضمها ، وهما بمعنى واحد : أي هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به ، يقال هذا عاقبة أمر فلان ، وعقباه : أي أخراه .